عبد الملك الجويني
28
نهاية المطلب في دراية المذهب
11454 - ومما نلحقه بمقصود الفصل أَخْذُ الجزية من أصحاب الصوامع والشيوخ الزمنى ، والذين قلنا في قتلهم قولان ، وللأصحاب طريقان : منهم من قطع بأخذ الجزية ؛ فإنهم من جنس الرجال المقاتلة ، ومنهم من خرّج في أخذ الجزية منهم قولين مبنين على جواز قتلهم ، فإن قلنا : إنهم لا يقتلون ، فهم ملتحقون بالنساء والذراري . 11455 - فأما من يجن تارة ويُفيق أخرى ، فقد اضطرب الأصحاب فيه في حكم الجزية ، وحاصل ما وجدته أوجهٌ ، آتي بها ، وأذكر - على حسب الإمكان - وجوهَها ، فنقول : أولاً لا يضرب على المجنون الجزية ، فأما إذا كان يجن مرة ، ويُفيق أخرى ، فمن أصحابنا من قال : يعتبر آخر الحول في أخذ الجزية ، فإن كان في ذلك الوقت مُفيقاً ، ألزمناه الجزية ، وإن كان مجنوناً قبل ذلك في جميع الأوقات ، أو معظمها ، وإن كان مجنوناً في ذلك الوقت لا جزية عليه ، ولا اعتبار بالإفاقة من قبل ، وهذا القائل يُشبِّه ما ذكرناه من اعتبار الفقر واليسار في حق العاقلة ، فإنا نعتبر فيهما آخر الحول . ومن أصحابنا من قال : إذا كان يجن ويُفيق ، فلا حكم للجنون المتخلّل ، بل هو كالغشية تطْرأ ، فتجب الجزية على هذا الشخص . ومن أصحابنا من قال : النظر إلى الأغلب ، فإن كان الأغلب زمان الإفاقة ، وجبت الجزية ، وهذا القائل يقول : إذا استوى الزمانان ، نغلّب وجوب الجزية . ومنهم من قال : تلفق أيام الإفاقة ، وتهدر أيام الجنون ، فمهما بلغت أيام الإفاقة سنة ، وجبت الجزية . وذكر الشيخ أبو علي وجهاً خامساً في الشرح ، فقال : من أصحابنا من قال : إذا كان يجن ويُفيق ، فلا جزية عليه أصلاً ، وإن كان زمان الإفاقة أغلب ، فجعل طروءَ الجنون مؤثراً في إسقاط الجزية ، وهذا كما أن الرق لما نافى ضرب الجزية ، فكذلك بعضه ينافي الجزية ، فلا جزية على من بعضه حر ، وبعضه رقيق ، وهذا بعيد . ثم قال : هذا إذا كان الجنون والإفاقة متعاقبين [ يفيق يومين أو ثلاثة ، ويجن